أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
154
التوحيد
إفك الشياطين مما يختطفون فيحلون على اللمحة من لمح الحق أكاذيب القول وأباطيل الدعوى . والأصل أن الكهانة محمول أكثرها على الكذب والمخادعة والسحر على الشبه والتخييل ، وما اختار الأنبياء يأخذونها على ألسن الملائكة البررة مما لا يوجد فيها غير الصدق والحق على التجربة والامتحان ، وفعلهم حق ثابت على مر الأيام والزمان ، ولما أن كان كذلك . ثم وجد كتاب اللّه ناطقا بإظهار دينه على كل الأديان ، مع ما أخبر من الحوادث والأكوان مثل قوله : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى [ الصف : 9 والفتح : 28 والتوبة : 33 ] ، وقوله : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ [ التوبة : 32 ] ، وقوله : أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [ القمر : 44 ] ، وقوله : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [ الحجر : 95 ] ، وقوله : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [ التوبة : 14 ] ، وقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها [ الرعد : 41 ] ، وقوله : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ [ الرعد : 31 ] ، وقوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ [ الأنفال : 7 ] ، وقوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ [ آل عمران : 152 ] . وما جاء من التخصيص في أقوام أنهم لا يؤمنون وأنهم أصحاب الجحيم ، ثم ماتوا على الكفر ، وغير ذلك مما في كل من الأنباء الفانية الذي عند التدبير فيها يعلم أنه باللّه علمها لتكون آيات له . فمن تأمل ما عددنا من أحوال النبي عليه السلام علم أنه قد انتظمت جميع البراهين العقلية الدالة على نبوته ، وصلّى اللّه على خير البريّة . ثم القول فيما بين المقرّين بالرسل جملة والمنكرين لبعضهم على الإشارة أن نسألهم عن المعنى الذي له أقروا به أو أقرّ به سلفهم ، فإن أشاروا إلى معنى على تحقيق ذلك أنه من المعاني التي توجب النبوة ، ألزمناهم في نبوة محمد صلّى اللّه عليه ذلك المعنى بعينه ، وإن كانت الآية مختلفة بأنفسها ، فإن المعنى الذي صارت الآية إنه غير مختلف ، وإن تعلقوا بظواهر الآيات لم يجدوا لأحد مثل الذي لمحمد عليه السلام في الأعجوبة والرفعة ، أو يخرجان على أمر واحد ، وإن ادعوا موافقتنا إياهم فإن جواب ذلك يخرج من وجوه : أحدها يسأل عن علّتهم قبل كوننا وظهور موافقتنا ، والثاني إنا قررنا بما ثبت لنا أن الذي أخبرنا بهم رسول ، وأنتم تنكرونه ، سقط دليلكم ، فما برهانكم ؟ ، والثالث أن يقابلوا بالفرق الذي لم يقروا وما بما ادّعوا ، والرابع أن يقال : إنما أقررنا نحن ممن قد أقر بنبوة نبيّنا ، فإن كان من يدعونه هو ، فقد ثبتت نبوة نبيّنا ، وإن لم يكن هو ، فما الدلالة على نبوة محمد ممن ادعيتم له النبوة ليسلّم لكم ما أردتم ، وباللّه المعونة .